يونيو 28, 2017 8:36
السلطان محمد الفاتح شاعرًا !

السلطان محمد الفاتح شاعرًا !

بعد وفاة مراد الثاني، خلفه ولده السلطان محمد الفاتح (1431-1481م) عبقري الجهاد والسياسة، الملقب بأبي الخيرات، حكم ما يقرب من ثلاثين عاماً، كانت كلها خيراً وفتحاً وعزاً وتمكيناً للإسلام والمسلمين، وبه تحققت نبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم: “لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش”.

وهو الذي تولى الإمارة وهو ابن العشرين من عمره، إلا أنه كان أمة وحده، وقد تجلت عبقريته المتفردة في فتح القسطنطينية عام 1453م وهو ابن الثانية والعشرين من عمره القصير الميمون.

وكان السلطان محمد الفاتح ذا ثقافة واسعة، ومواهب جمة، غلب على إمبراطوريتين، وفتح سبع ممالك، ورفع راية الخلافة على مائتي مدينة، وشيد المئات من المساجد ودور العلم، وأجاد اللغات العثمانية، والفارسية، واللاتينية واليونانية والسلافية والعبرية، وتبحر في اللغة العربية وآدابها، وتمكن من بلاغتها ونحوها وصرفها وعروضها وبحورها، وكانت الكثرة في مكتبته الخاصة من نصيب اللغة العربية، ودرس بها الآداب والرياضيات والفلك والفلسفة والكيمياء.

وديوان الفاتح يسمى ديوان “عوني”، وهو الاسم الشعري الذي اتخذه لنفسه، ليوقع به أشعاره، ومعناه “المخلص”، وقد كان هذا الديوان مجهولاً، حتى أخرجه المستشرق الألماني “جورج جاكوب” ضمن مجموعة خطية لأشعار الفاتح، ونشره في برلين عام 1904م، ثم أعيد نشر الديوان مرة أخرى عام 1918م وعام 1959م بإسطنبول.

وقد قام رائد الدراسات الأدبية المقارنة العلامة د. حسين مجيب المصري بترجمة بعض معاني أشعاره، منها:

أنــــا عبــــد لسلطـــــان مــــن عبيــــده

وهــــــذا البستـــان إلى ذوى وذبـــــــول

وإذا ما وافى الخريف فلا ربيع ولا رياض

ويتناول الدكتور عبد الوهاب عزام طرفاً آخر من معاني أشعار الفاتح، حيث يشير في مجلة (الرسالة، مارس 1933م) إلى إحدى قصائد الفاتح التي يقول فيها:

لهـذه الألوان من الآلام خلقتني يا رب

قــد اجتمـع علــى إحراقــي وهدمــي..

مزقة القلب، ونار الآهات، ودمع العين

ومن أشعاره الإسلامية الراقية يقول السلطان محمد الفاتح في إحدى قصائده:

نيتـــــي: امتثـالــــــي لأمـــــر الله “وجاهـدوا فـي سبيل الله”.

وحـمــاســــي: بــــــذل الجـهـــد لخــدمــــة دينـــي، ديــن الله.

وعـزمـــي: أن أقهــر أهــل الكفـــر جميعـاً بجنــودي: جند الله.

وتفكيري: منصب على الفتح، على النصر والفوز، بلطف الله.

وجهادي: بالنفس والمال، فماذا في الدنيا بعد الامتثال لأمر الله.

وأشـواقــي: الغـــزو الغزو، مئات الآلاف من المرات لوجه الله.

ورجـائــي: فــي نصـــر الله، وسمــو الــدولــة على أعداء الله.

ومن مآثر هذا السلطان الفاتح العظيم، وتواضعه الجم، أنه عند دخوله القسطنطينية فاتحاً مظفراً، لم يستشهد ببيت من أشعاره، بل استشهد ببيت لشاعر فارسي، ترجمه د. حسين مجيب المصري في كتابه تاريخ الأدب التركي (القاهرة: 1951م) يقول:

“تنعق البوم على قباب الأكاسر، والعنكبوت تضرب نسيجها على قصور القياصر”.

رحم الله فاتح القسطنطينية، أبا الخيرات السلطان الشاعر محمد الفاتح.

المصدر:

مجلة التبيان – العدد 55 – 24 فبراير 2009م

تعليقات الفيس بوك

تعليقات



عدد المشاهدات : 10092

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*