ملخص المقال
د.راغب السرجاني - خاص
لم تستطع قريش ولو لمرَّة واحدة أن تُعارض القرآن الكريم؛ بل لم تحاول أصلا، وعلى الرغم من ذلك، ومع علمهم بصدقه صلى الله عليه وسلم، ومع علمهم بعجزهم وضعفهم، فإنهم أخذوا يطلبون المعجزات الأخرى من باب الجدل.
فطلبوا -على سبيل المثال- شقَّ القمر ، وفي معجزة باهرة وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار بيده إلى القمر، فشُقَّ -بإذن الله- إلى نصفين؛ نصف على جبل، ونصف على جبل آخر!
يروي أنس بن مَالك رضي الله عنه «أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ»([1]). وفي رواية عنه كذلك قال: «فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا»([2]). وفي رواية: «فِرْقَتَيْنِ؛ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ»([3]).
ويروي كذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيقول: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شِقَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اشْهَدُوا»([4]).
وغالب الأمر أن هذا حدث مرَّتين، وليس مرَّةً واحدة!
فهناك تصريح من أنس بن مالك بالشقِّ مرتين حيث قال: «فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ»([5]). ولعلَّ واحدة من هاتين المرَّتين كانت بمنى، حيث قال: «انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى»([6]). والمرة الثانية كانت بمكة ذاتها، وهو ما جاء في رواية لعبد الله بن مسعود حيث قال: «انْشَقَّ بِمَكَّةَ»([7]). وعلى الرغم من ذلك فإنهم قالوا مكذِّبين: سحركم محمد!
فعن أنس قال: «سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم آيَةً، فَانْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: 1] إلى قوله: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: 2] »([8]).
وعن عبد الله بن مسعود قال: «رَأَيْتُ الْقَمَرَ مُنْشَقًّا بِشِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، شِقَّةٌ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، وَشِقَّةٌ عَلَى السُّوَيْدَاءِ» فَقَالُوا: سُحِرَ الْقَمَرُ. فَنَزَلَتْ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]([9]).
وقد حاول أحدهم أن يكون واقعيًّا بعض الشيء، فطلب منهم أن يسألوا القادمين من السفر، فلو كان قد سحرهم فلن يقدر على سحر هؤلاء، وحين قدم المسافرون سألهم أهل قريش على ما رأوا، فكان الجواب أنهم رأوا القمر وقد شُقَّ في ذات الليلة، وذات التوقيت الذي كانوا قد رأوه فيه، وعلى الرغم من ذلك؛ ولأنهم ما طلبوا الآيات رغبة في التصديق، وإنما طلبوها لمجرَّد الجدل والمراء، قالوا مكررين: هذا سحر مستمر.
عن عبد الله بن مسعود قال: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، قَالَ: وَقَالُوا: انْتَظَرُوا مَا تَأْتِيكُمْ بِهِ السُّفَّارُ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ. قَالَ: فَجَاءَ السُّفَّارُ فَقَالُوا ذَاكَ»([10]).
وعنه -أيضًا- قال: انْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ، فَقَالَ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ: هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؛ انْظُرُوا السُّفَّارَ فَإِنْ كَانُوا رَأَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَرَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَهُوَ سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ. قَالَ: فَسُئِلَ السُّفَّارُ وَقَدِمُوا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَقَالُوا: رَأَيْنَا([11]).
([1]) البخاري: كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي r آية فأراهم، (3438)، واللفظ له، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب انشقاق القمر، (2802).
([2]) البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب انشقاق القمر، (3655).
([3]) البخاري: كتاب التفسير، سورة القمر، (4583).
([4]) البخاري: كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي r آية فأراهم، (3437)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب انشقاق القمر، (2800).
([5]) مسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب انشقاق القمر، (2802)، وأحمد (13177).
([6]) البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب انشقاق القمر، (3656).
([7]) البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب انشقاق القمر، (3656).
([8]) الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة القمر (3286) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (11554)، وأحمد (12711)، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
([9]) الحاكم (3757) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
([10]) أبو داود الطيالسي (293)، وقال السقاف: رواه: أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح. انظر: تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن ص427، وقال الصوياني: سنده صحيح. انظر: الصوياني: الصحيح من أحاديث السيرة النبوية ص57.
([11]) البيهقي: دلائل النبوة، 2/266، 267، وأبو نعيم الأصبهاني: دلائل النبوة، ص281، والصوياني: السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة 1/ 153.

التعليقات
إرسال تعليقك